
يوم ما رأيت الدعوة الخاصة بالتدوين عن التحرش الجنسى قررت المشاركة فيها ليس فثط لإعجابى بالفكرة و إنما لرغبتى فى إستعادة بعض المشاعر و الأحاسيس المرتبطة بتلك الكلمة . الكلمة التى أخذت وقتأ طويلاً فى التأقلم عليها بكل ما يصاحبها من تجارب سيئة لنا نحن البنات و السيدات التى نكون فيها عرضة للتحرش فى أى وقت لكل من تشاء له نفسه أن يضايقنا أو ينتقص من حريتنا فى اللحظة التى يقرر فيها أن يحصل على متعته الوقتية والتى تعتبر بالنسبة له أهم بكثير من أى شىء قد يقف فى سبيل حصوله عليها.
و اكتشفت أننى من القلائل المرفهات سعيدات الحظ التى ولدن فى ظروف معيشية قللت من فرص تعرضى للتحرش و المضايقة عن غيرى من البنات ممن شاءت الأقدار ات تولد فى ظروف أصعب بكثير فاقتصر الأمر فى أغلب الأوقات على نظرات شهوانية مملؤة بالحيوانية عند سيرى فى الشارع أو تعرضى لبعض النظرات الغير مرغوب فيها من المحيطين لى فى دوائرى الإجتماعية التى انتمى إليها.
لكن بصفة عامة لست كمن شاءت الأقدار أن تولد فى عشوائيات و التى تعيش فيها وهى تشعر فى كل ليلة بخوف يرجع لسبب مختلف فى كل مرة..خوف التحرش بها سواء من زوج أمها الذى قد يطمع فى شيئاً منها ، و الذى قد يتحول مع الجهل و الفقرلأن يصبح خوفها من أخوها هو أحد مخاوفها التى تقاومها بإستمرار. ذلك الخوف الذى تنسى معه أى مشاعر أو أحاسيس أخرى قد تأتيها أو تراودها من ضيق و قهر و مذلة ربما لأن الخوف حينما يسيطر علينا يسقط معه أى شعور أخر يذكرنا بأدميتنا.
ولست مثل من تتضطر كل يوم لأن تتعرض لأشكال متعددة من الأذى المعنوى بما يتضمنه من ألفاظ بذيئة و ملامسة إجبارية إلى كل ما قد يطوله شخص أثناء محاولتها اليومية للوصول لمكان عملها بالمواصلات محتملة هذه المأساة المتكررة لعد وجود خيار أخر لديها ، و حتى إن كانت لديها الجرأة و الشجاعة الكافية لإيقاف أو منع مرتكبى هذه الأفعال إلا أن هذا لا يقلل من الأذى الشخصى و النفسى الذى تتعرض له و الذى مع الوقت يتحول بداخلها بشعور من اللامبالاة أو لتذبذب ثقتها فى نفسها .
و اذكر بأن بداية تعرفى على هذه الكلمة فى يوم جاءت أختى التى تكبرنى ببضعة سنوات لتقوم بتوصيلى لأحد أقاربنا وفى طريقنا وجدتها فجأة تصرخ و تشتم بصوت عالى موجها كلامها إلى شاب يركب عجلة ينطلق سريعاً و تفاجأت وقتها و لم أفهم ما حدث ربما لأننى لم الاحظ أو ربما لأن صغر سنى وقتها لم يساعدنى على ترجمة ما حدث على تحرش إلا إنها بمجرد وصلنا لدى أقاربنا انهارت باكية بشدة و هنا أدركت بأن هذا الشاب قد قام بملامسة مؤخرتها ثم انطلق مسرعاً . و هنا فقط بدأ خوف ما يسرى بداخلى بأن أسير بمفردى فى الشارع رغم صغر سنى وقتها الذى يقلل من فرص تعرضى لمثل هذا الفعل الحقير .
و حينما أصبحت فتاة كاملة النصوج بمجىء الدورة الشهرية التى مع مجيئها بدأ تحولى الجسدى الذى أصبح مع الوقت عنصر جذب للذكور بإختلاف أعمارهم و ذلك ليس لجمالى الفاتن فأنا فتاة عادية جداً و لكن لأن غالبية الرجال تعودوا بأن التحرش بالمرأة جزء من يومهم الذى لا يجب أن ينتهى دون أن يعتدوا على المرأة ربما لإثبات تفوقهم النوعى الذى يتوهمون به و ربما لأنهم اعتادوا على فعل ذلك و كأنه أصبح حق مكتسب .
وفى يوم و انا فى طريقى للبيت قام أحد الشباب بمعاكستى مستخدماً ألفاظ بذيئة ، فى تلك اللحظة لم أشعر سوى بحالة من الجمود أصابتنى لم أستطع معها فعل أى شىء سوى الوقوف مكانى الصنم إلى ان مضى الشاب فى طريقه.
ومع الوقت انكسر لدى حاجز الخوف الذى كان يجبرنى على الصمت أمام مضايقات و انتهاكات مستمرة و التى كنت اتعرض لها فى يومى العادى فقد أدركت بأننى بصمتى هذا أشارك فى الموافقة الضمنية على ما يحدث لى و لغيرى من تحرش و تعدى على حريتى و بدأت تدريجياً أستجمع شجاعتى لأتصدى لمن يعكر صفوى و يضايقنى و مع الوقت اكتشفت بأن غالبيتهم بمجرد الصراخ فيهم يتحولون إلى كائنات صامتة تعجز عن الرد ربما لإعترافها ضمنياً بخطأها و منهم من قرر استكمال دور الرجولة لأخره فيرد ببجاحة مصطنعة للدفاع عن نفسه أمام نفسه و أمام المجتمع ولكن أسوأهم هم من يؤمن بأن هذا التصرف لا عيب فيه بما أن المرأة أقل قدراً و أنها التى تدفع الرجال فى أغلب الأحوال على التحرش بها لذا لابد ان تتحمل ثمن هذا ، وهذا المنطق كان أكثرهم إيلاما لى ليس فقط لأنه يحط من قدر المرأة و نظرته لها و إنما يرجع لها السبب فى ما تعانيه من مضايقات و انتهاكات من قبل الرجال .
هذا المنطق هو المنطق الذى يبرر الكثير مما نعانيه كنساء بإختلاف أعمارنا فالواقع الإجتماعى الذى نعانيه بإختلاف درجاته و التى تتفاوت للأسف بإختلاف المستوى الطبقى و المعيشى فى أغلبه إلا أنه يظل يجمعنا فى الكثير من الأمور و التجارب و الأحاسيس المشتركة التى لا نفلت منها بحكم وضع إجتماعى ظالم فرضه علينا مجتمع ذكورى رافض الإعتراف بسيطرة ذكوريته بل أنه يرى بأن المرأة أخذت حقوقها كاملة . وهذا المنطق هو الذى اكتشفت معه بأننا جميعأ لم ننجو من التحرش فقد بدأ الأمر منذ صغرنا بدءأ من عملية الختان ذلك الفعل الإجرامى الذى لازلت كلما قرأت أو عرفت عن تجارب من خاض مثل هذا المأساة شعرت بألم لم استطع حتى تلك اللحظة التغلب عليه والتى تنجو منه بعض الفتيات إذا كانت سعيدة الحظ و كانت من أسرة متعلمة تعليما يكفى لأن يدركوا مجى بشاعة هذا الجرم الذى يحرم متعة الجنس ليجعلها حكر على الرجل فقط و هى بالنسبة له الوعاء الذى يحصل من خلاله على تلك المتعة .
وما تلى هذه الجريمة من تحرش بدرجات متفاوتة تتدرج لتحرص على أن ننال قدر ولو بسيط من مرارة تذوق مثل هذا الفعل فإذا نجت من التحرش و التعدى على جسدها فى صغرها تتعرض لنوع أخر من التحرش و هو التحرش بعقلها الذى فى أغلب الأحوال يكون تحرش هدفه تكريس بعض الأفكار التى تضمن استمرار وضع المرأة المؤسف ولكن بمشاركة منها فتصبح ترى نفسها بالفعل هى المسبب الرئيسى فى ان الرجال يتحرشون بها حتى ترضى بما يحدث لها من مضايقات و انتهاكات بل أنها فى بعض الأوقات قد تشارك الرجال فى اتهام فتيات أخرى بأنهم هم المخطأت وليس من يعتدى عليهم . و يستمر مسلسل التحرش بنا كفتيات ببلوغنا لقمة أنوثتنا التى نعلن عنها بالدورة التى ما أن تأتى حتى يسارع غالبية الأهل بإستمرار دورهم كمتحرش أعطى لنفسه الحق فى ذلك فيجبر الكثيرات على إرتداء الحجاب و إن لم تفعل تظل تستمع لنصائح ملائكية لحمايتها من الوقوع فى شرط الشيطان الذى هو من صنه خيال الأهل فقط فتبدأ بتصديق ما يتردد على أسماعها.
ومع الوقت ننسى بأننا بكل ذلك نخلق استعداد لأن نتعامل مع أى تحرش نتعرض له بأنه خطأنا نحن المتسببون فيه و علينا إصلاحه و لا نحاول للحظة التوقف و التأمل بأننا ضحية لمجتمع أنانى حدد المرأة فى دور معين و بدأ يعودها على الرضوخ و الموافقه على لعبه دون أن تشعر لتصبح غير قادرة فى الغالب على التصدى له و تصدق بأن ذلك كله مشكلتها هى لأنها امرأة و لذا عليها إما ان تتحمل وترضخ.
كلام جامد لابعد حد
ردحذف