منذ قيام الثورة و تنحى الرئيس السابق حرص غالبية الناس التى يمكن اعتبارها من الطبقة المتعلمة والمثقفة فى المجتمع و معها القوى السياسية المختلفة إذا استثنينا منها الإخوان المسلمين بالدعوة إلى دولة مدنية تقوم على المساواة و حقوق المواطنة بمعنى نتساوى فيها كمواطنين فى الحقوق و الواجبات دون أى تمييز سواء على أساس دينى مسلم أو مسيحى و غيرها من ديانات اخرى يضمها هذا الوطن و لازلنا نرفض الإعتراف بوجودها و ندفن رؤوسنا فى الرمال ودون أى تمييز على أساس الجنس سواء رجل او امرأة ولا لون أى اننا جميعا كمصريين متساوون .
و فى نفس الوقت بدأ الإخوان و بعض القوى الأخرى يروجون لدعايا مضادة لما ندعوا إليه وهو دولة دينية تكون فيها الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع و قد ظهر مدى الفارق بين دعوة كل جانب بوضوح خلال المعركة الوهمية التى حاول البعض الإستفادة منها و هى معركة التعديلات الدستورية و التى استخدمت فيها الدعاية الدينية بشكل غير مسبوق و انتهت بإنتصار كبير للنعم و الذى لا يمكن اعتباره بناءاًعلى دعم لفكرة الحفاظ على الدين أكثر منها الرغبة فى الإستقرار و التخلص من الحكم العسكرى و من هنا زادت المخاوف من تراجع التأييد الشعبى لفكرة الدولة المدنية فى مقابل الدولة الدينية .
مع تسلسل الأحداث و ظهور الجماعات السلفية التى ظهرت فى البداية ببطء حتى اصبحت مركز الأحداث فى الفترة الأخيرة خاصة مع تكرار الحوادث الغير مفهومة و لا المقبولة و التى تهدد كيان الوطن و مكاسب الثورة التى لاتزال تحصد ثمارها خاصة بعد حادث إمبابة و الذى كان انتهاكاً صريحاً للحريات أدى إلى وفاة و إصابة العديد بسبب هوجة من الإشاعات لا أحد يعلم حتى الأن صحتها من عبثها .
و رغم المخاطر و المخاوف التى تشغلنا الأن مما قد توؤل إليه الأمور من عواقب قد لا يسعفنا الوقت لحالها حتى تصل بنا لطريق مسدود لا رجعة فيه تأتى ذكرى نكبة فلسطين لتذكرنا بما لن يغفره التاريخ للبشرية بصمتها على المجازر اليومية التى يقوم بها الجيش الإسرائيلى تجاه مدنيين عزل و تخاذلنا نحن شعوبا و حكاما أمام تلك الجرائم .
إلا ان الوضع يختلف هذه المرة فمصر اليوم ليست مصر الأمس بعد أن ثار الشعب المصرى و تخلص من النظام السابق و لذا جاءت العديد من الأفكار التى رأى فيها البعض محاولات لدعم و تأييد الإنتفاضة الفلسطينية الثالثة منها الزحف إلى معبر رفح لتوصيل مساعدات إلى أهالى غزة و دعوات لمظاهرات مليونية بمدان التحرير لدعم الإنتفاضة.
و لا أحد يستطيع إنكار أهمية مثل هذا الدعم و التأييد إلا أن الأحداث الأخيرة التى تهدد البلاد و التى تفاجئنا يوما بعد يوم بأخبارمؤلمة و موجعة لابد أن توضع على جدول أولويتنا . فالجمعة الماضية كان المتوقع وجود هتافات و شعارات تندد بما حدث فى امبابة و تؤكد على رفض الشعب المصرى بكل طوائفه لمثل هذه الإعتداءات إلا إننى وجدت ميدان التحرير مغطى بأعلام فلسطينية يتخللها بعض الأعلام المصرية و غالبية الهتافات و الخطب تدعو للجهاد و لإقامة جيش عربى لتحرير فلسطين حتى تعود عربية إسلامية و هو ما أثار إستيائى وقتها .
و ما يحيرنى كيف ان غالبية الناس التى تؤمن و تدعو بشدة لدولة دينية هم نفس من يرفض و يهاجم الكيان الصهيونى رغم انهما فى النهاية متشابهان إلى حد كبير فكلاهما ينادى بدولة دينية على أساس دينى يميز البشر و يرفضون الدولة المدنية و لكن كلا بطريقته فالإسرائيلى يرفض الأخر بإعتباره إنسان درجة ثانية يحق له ان يفعل به ما يشاء ليصل لحد إبادته فى مقابل الحفاظ على وجوده أما فيما بيننا فمن يرفض الدولة المدينة يرفضها لأنه يرى فى دينه هو الدين الصحيح الذى يجب ان يطبق على الجميع .
و لا أعرف كيف يرفض الكثيرون خيار الدولة المدينة الذى يحقق المساواة التامة بين البشر مفضلاً إستبداله بخيار قائم على أساس الدين ثم يخرج ليطالب بوقف التمييز الذى يمارسه الجيش الإسرائيلى و هو المبدأ المبنى على نفس الأساس الدينى الذى يتبناه هو كرؤية و يدعو لتحقيقها .
فلو توقف كل شخص فينا ليعيد التفكير فيما يقوم به و يؤمن به و يدعو له أو يرفضه سيجد العديد من التناقضات التى فى أعماقنا نؤمن بها و لكننا نترك أنفسنا ننساق دون تفكير لأنه من الصعب علينا فى أوقات كثيرة أن نختلف معها خاصة إذا كانت تتعلق بما نؤمن به من روحانيات تربينا علي ألا نكسرها و إلا كفرنا رغم يقينا بأن بعض البدائل المطروحة لا تعتبر خروج عما نؤمن به .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق