الاثنين، 21 مارس 2011

سذاجة سياسية

كان المشهد ينقصه يوم الإستفتاء و اليوم الذى تلاه من إعلان للنتيجة حتى تكتمل الصورة .

فمنذ إندلاع ثورتنا يوم 25 يناير تسارعت الأحداث بشكل لم يكن يسمح بالوقوف كثيراً للتأمل أو التفكير او حتى تحليل بعض الأمور أو المشاهد التى رأيناها إلا على عجالة .

لحظة الثورة تلك اللحظة التى شارك فيها الشعب المصرى بكل ما يتضمنه من تيارات ، طبقات ، مستويات و ديانات مختلفة يجمعها هدف أكبر من ان يسمح لاى إختلافات فى أن تعوق انتصار إرادة الشعب وهو ما ساعد فيه تلك اللحظة الحقيقية التى تلاشت معها كل الفروق .

و ظهر ذلك بوضوح فى ميدان التحرير الذى كان رمزاً لكل ما هو رائع من إيجابيات سواء على المستوى الأخلاقى الذى ساد الميدان أو من خلال القبول الفكرى للأخر كأن كل من نزل فى تلك الثورة كان يرغب فى أن يعيش نقيض لكل ما قد يكون فى معاناة معه بشكل يومى فإلغيت الفروق الطبقية فلم نعد نشعر بها و رأينا التيارات الفكرية تدخل فى جدال و نقاش دون اى خسائر تذكر .

و على الرغم من انه كان معروفاً للجميع موقف الإخوان ككيان عبر منذ البداية عن رفضه ان يشارك فى الثورة و إعلانه برفضه المشاركة صراحة ثم بدات الأمور شيئأ فشيئأ تتبدل و تتحول من مجرد مظاهرات إلى ثورة حقيقية مما اجبر الإخوان فى نهاية الأمر بالنزول والتضامن مع مطالب الشعب و قد يكون ذلك إيمانا منهم بأحقية مطالب الثورة و شرعيتها و قد يكون و هو الأغلب فى رأى خوف من تفويت فرصة المشاركة فى تحقيق نصر قد يؤتى ثماره على المدى البعيد خاصة ان الأمور كانت تميل لكفة الشعب .

و لا أحد ينكر كيف كان الإخوان متعاونون كغيرهم من التيارات السياسية التى قررت وضع كل مصالحها و خلافتها على جنب و اندمجت بداخل الثورة بشكل لا نستطيع فيه التفريق إلا من خلال النقاشات التى تسمح بظهور القناعات الفكرية او من خلال مظهربعض التيارات التى قد تدل على ما يؤمنون به . و شعرت بالريبة و الخوف منهم طوال فترة إعتصامنا فى التحرير قبل التنحى و بعده ليس فقط لتحفظى على الكثير مما يتضمنه فكر حركة الإخوان المسلمون أو قناعاتهم التى تختلف عن قناعاتى و إنما لأن تاريخهم يؤكد المرة تلو الأخرى مدى انتهازيتهم لكثير من الفرص لصالحهم و كيف لديهم القدرة ليس على الإدعاء فقط وإنما ايضاً على المسايسة إلى أقصى حد ممكن طالما فى ذلك فائدة تعود عليهم فى المستقبل .

و على الرغم من أن الكثيرون من المعارضة تفاءلوا خيراً من أداء الإخوان خلال الثورة و خاصة ما رأوه فى شباب الإخوان من فكر تنويرى ينبىء بإمكانية التغيير فى الحركة من عناصر داخلها و الذى ساعد على تنمية الشعور بأنه قد تكون الثورة بداية حقيقة لتغير حقيقى فى طبيعة عمل الإخوان فى الحياة السياسية و استعدادهم للتخلى عن بعض الأفكار التى قد تكون موضع جدل و اختلاف يفرق بينهم و بين التيارات الأخرى التى تشكل المعارضة خصوصاً بعد إعلان الإخوان فى اكثر من مناسبة عدم نيتهم فى الترشح و رغبتهم فى ان تكوين دولة دات طابع مدنى مما ساعد على سرعة تصديقهم إلا أن كثيرون أحبطوا بعد ما رأوه من موقف الإخوان من ممارسات قبل يوم الإستفتاء .

و هو أول اختبار وضعوا فيه الذى سرعان ما عادت فيه الأمور كأن لم يكن فقد جاء الإستفتاء على التعديلات الدستورية و رغم حرص المعارضة على ان تظل يداً واحدة امام تعديل فى دستور سقطت شرعيته التى اسقطتها الثورة إلا أن الإخوان قراروا و انضم إليهم السلفيون لينشقوا عن الصف و اعلنوا تأييدهم للتعديلات بل و اعطوا لأنفسهم الحق فى الحكم على من قال لابالكفر بل و بأنه ممول من الخارج مستعنين بنفس الأسلوب الذى مارسه النظام السابق أمام الثورة.

و قول نعم أم لا هو حق لا يمنعه أحد و و لكن ما يرفضه الجميع هو ان نجد الإستفتاء قد تحول لساحة تمارس فيها الدعاية الدينية بكل الطرق المبتذلة بنفس اسلوبهم المعتاد فى استخدام الدين فى السياسة لتحقيق غرضهم و استغلوا كل الفرص الممكنة لجذب طبقات الشعب خاصة ممن لم تتاح له الظروف بأن يحصل على التعليم الكافى الذى يؤهله ليختار بنفسه و لا يقع فريسة جهله و خوفه.

و ليس من المستغرب استغلالهم للدين فهو سلاحهم الأول الذى استخدموه بمهارتهم المعتادة و استعانوا بكل طرقهم المعروفة لتقوية حجتهم فنزلوا إلى الشارع الذى لهم فيه شعبية كبيرة تعود إلى مهارتهم فى التنظيم و التواجد و لعبوا على كل الأوتار الحساسة التى هم على يقين بأنها ستجدى نفعاً بدءاً من إشاعة إلغاء المادة الثانية بالدستور إلى أن مصر دولة إسلامية ولابد ان تظل كذلك ، كما انهم لعبوا على وتر الطائفية بكل ما قد يتضمن من مخاوف و إشاعات عن المسيحيين و التى ساهمت فى دعم موقفهم وصولا بأن قول نعم واجب شرعى بما تقتضيه الشرعية الدينية .

و على الرغم من اننا لا نختلف على ان هذه السياسة مرفوضة إلا انه لابد من الإعتراف ببعض الأمور و هى انه كان من السذاجة تصديق فى لحظة من اللحظات انه فى يوم وليلة قد يتغير فكر الإخوان الذى استمر لسنوات و سنوات و انهم قد يعدلوا من فكرهم و يتنازلوا لما فيه مصلحة للوطن و ان ما حدث قبل الإستفتاء من الإخوان و معهم السلفيون امر غير مفاجىء و قد أتى ثماره فى كثير من المناطق خاصة فى المناطق الريفية و ذلك لأكثر من سبب فالإخوان ككيان معروف عنه بأنه من أكثر التنظيمات المنظمة الموجودة على الساحة السياسية إذا ما قورن بالقوى الأخرى الموجودة و التى كان يمارس عليها جميعاً قمع من قبل النظام السابق حتى لا يعطيها الفرصة للإنتشار و التوغل و رغم تلك الصعوبات استطاع الإخوان خلق شعبية واسعة حرص على تنميتها و توسيعها من خلال التواجد فى الشارع و ذلك دون الخوض فى الأدوات التى استعانوا بها فى ذلك و التى قد نختلف حولها بشكل جوهرى و ذلك لإدراكه أهمية و إحتياجه لها ليضمن استمراره و حصوله على تأييد من طوائف الشعب المختلفة .

و هذه ليست معلومات جديدة علينا و لكن لابد من الإعتراف بأن اللحظة سرقتنا او خدعتنا فنسينا بأننا ساهمنا فى نجاح نعم فى الإستفتاء ظناً منا بأن الشعب هو من كان موجوداً فى ميدان التحرير و هو غير صحيح ففى الأصل نحن لازلنا شعب يعانى من جهل يسمح له أن ينخدع و أن يساق فى أوقات كثيرة تحت العديد من المسميات خاصة إذا كانت تحت عنوان الدين و فقر يعذبه يجعله يضحى بحريته من أجل استقرار سريع ، شعب لايزال يعانى من أثار نظام فاسد حرص على غرس الخوف الذى قد يجعله يقول لا فقط لأنه خائف من شخص يحكمه فيقصيه و يحصره فى أقليه مضطهدة ، علمه الخنوع لكل من يعطيه الأمان و راحة البال و لا أحد يستطيع أن يلوم شعب لم تتاح له الفرصة فى أن يعرف كيف يعيش .

لذا فلابد لنا من إعادة ترتيب أوراقنا و حسابتنا لأنه لا يكفى ان نكون واعين بما يحدث و نظل نتحاور فيه مع أنفسنا و من حولنا ونتجنب الحوار مع بقية الشعب الذى لا يجب ان ننسى بأنه ليس شعب القاهرة و الإسكندرية بل هو شعب الصعيد والريف الذى ينتظر بديلاً ينتشله من كل ما يحيط به من صعوبات ليعيد له أدميته و يجذبه ليحاوره بوعى و تقدير ليجعله فى المستقبل قادر على ان يختار و يحكم بنفسه و إذا نجحنا فى خلق هذه العلاقة بيننا كقوى تسعى لإحداث نهضة سياسية و إجتماعية حقيقية فإننا بذلك قد ساهمنا فى التصدى ليس فقط لكل قوة تحاول استغلال إرادة الشعب لصالحها و فى إنما الأهم بأننا بذلك اسقطنا رمزاً من رموز النظام السابق الذى كان دعامة أساسية فى استمراره الجهل و الخوف .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق