الجمعة، 16 مارس 2012

موعد على فترات


موعد على فترات
كانت تنظر لساعتها كل دقيقة تقربيا رغم إدراكها للوقت و لكنها ظلت تنظر لها فهى كلما توترت تقوم بإلقاء نظرة على ساعتها دون سبب واضح ربما لتتذكر بأنها متأخرة ولابد أن تسرع لتلحق بالقطارالمتوجه للقاهرة التى طالما أحبت منادتها بالمحروسة .
وما ان وصلت لمحطة سيدى جابر بالإسكندرية أخذت تجرى خوفاً من أن يفوتها قطار السابعة رغم أنها لا تحمل تذكرة وتستطيع إن فاتها أن تلحق بالقطار الذى يليه إلا انها أصرت على ركوبه لتميزه فى سرعته التى تنقلها دون أن تشعربرتابة السفرو ملله من مدينة لأخرى.
واستطاعت أن تلحق به قبل انطلاقه بدقيقة واحدة وكما تعودت لم تتعب نفسها فى البحث عن مقعد خالى ربما يكون صاحبه قد فاته موعد قطاره او اضطر أن يخلفه لظرف طارئ بل توجهت إلى الممر المتواجد بين العربات و الذى يخلو عادة من الركاب ما عدا المدخنين ليدخنوا سجارة سريعاً يعودوا بعدها لمقاعدهم مرة أخرى فيخلو لهاالممر تتمتع فيه بخصوصيتها التى تفشل أغلب الوقت فى الحفاظ عليها عند جلوسها بجانب شخص مجهول يضايقهاويعكر مزاجها .
فمحبى التطفل يتفنون من خلال سرد حواديتهم أو التطفل على حياتها أن يكدروا صفوها أنثاء الرحلة ويظلوا يثرثروا فى أذنها حتى تمل و تتمنى الوصول لمجرد الخلاص منهم .
وتعودت وتألفت على جلستها بالممر فأصبحت تتعامل معه و كأنه ملك خاص لها فبمجرد وصولها تبدأ بتوضيه حتى يتناسب مع طول الرحلة فيساعدها الفراش بقطعة من الكرتون لتجلس عليها حتى لا تتسخ ملابسها ثم تبدأ بإخراج كتابها الذى يرافقها فى رحلتها حتى لا تمل كما تحرص على أن تخرج سجائرها وولاعتها لتكون فى متناول يدها عند اللزوم وأحياناً تحرص على بعض المزيكا ليكتمل المزاج بالنسبة لها مستغلة الفرصة فى أن تتجمع أغلب الأشياء الصغيرة التى تسعدها والتى فى أوقات كثيرة تعجزعن إيجاد وقت لها فى حياتها المنشغلة فتأتى هذه الرحلة القصيرة لتكون فرصة مناسبة لتختلى بنفسها لبعض الوقت.

و بتحرك القطار تبدأ على الفور فى قراءة الكتاب الذى تحمله حتى لا تترك لنفسها فرصة الغوص فى مشاعر تحاربها فى كل مرة تركب فيها القطار وهى راحلة عن مدينتها و لتمنع نفسها من التفكير فى أمور حلوة و ذكريات و فراق لبشر و تفاصيل صغيرة فى اسكندريتها كما تحب أن تسميها و التى فى كل مرة تتركها يصاحبها حزن و شجن و حنين فشلت فى تفسيره و فضلت الهروب منه من خلال الغوص فى كتاب يسليها حتى لا تترك المجال لأى مشاعر تطفو على السطح و تجبرها على التفكيرو التى طالما فضلت كبتها بداخلها حتى لا تشعر بأى إحساس من الضيق لن يفيد سوى فى زيادة حيرتها مع نفسها .

و بعد بمرور فترة من الوقت مر عامل الكافيتريا التى تطلب منه عادة كوباية الشاى المعتادة مستغلة الفرصة لتستفسر عن المدة المتبقية للوصول لمحطة طنطا وهى التى اتخذتها علامة تميز بها لطريق لتقدر من خلالها الوقت المتبقى للوصول للقاهرة
و قبل محطة طنطا بدقائق معدودة توقف القطار فجأة لفترة من الزمن لكنها لم تبالى فهى قد اعتادت على مثل هذه المواقف التى أصبحت متوقعة لها معتادة عليها فوجدتها فرصة مناسبة لشرب سيجارة بذهن صافى فتوقفت عن القراءة والإستماع للمزيكا و قامت من مكانها على الأرض لتحرك أرجلها ولتقف فترة تريح فيها جسدها من كثرة الجلوس .
و بدأت تدخن السيجارة فى نشوة عظيمة سارحة فى الفضاء الواسع محاولة ألا تفكر فى أى تفاصيل أو ذكريات لا ترغب فى استعادتها هى التى تعرف بأن خلوتها بنفسها خاصة فى القطار طالما كانت فرصة مناسبة لتحاصرها الذكريات و تفاجئها بل و تجبرها على التفكير فيها .
و فجأة كسر الصمت المحيط بها بمجموعة من الوشوش لبعض الناس المتواجدين بقطار أخر توقف فجأة ليقطع عليها مشهد اللاشئ فكانت فرصة ذهبية لها لكى تسرح فيها وهى التى طالما وجدت متعة فى أن تتأملها بهدوء لأنه لسبب ما دائما ما كانت بالنسبة لها وسيلة تفتح أفق و أفكار جديدة لتسرح فيها و تستمتع بالتفكيرو التحليل عنها لتصل لفكرة أوقناعة جديدة عن تلك الدنيا التى تعيش فيها ।
و لم تتوقع على الإطلاق أن تجده هى التى رأته بالصدفة فى اللحظة التى يلتفت فيها لشخص ما يعطيه الولاعة ثم يعاود النظرسارحاً خارج نافذة باب القطار .
فكانت اللحظة التى انهارت فيها كل مقاومتها على النسيان ووجدت شريط من الذكريات يمر عليها لم تستطع أن توقفه وهى متسمرة فى مكانها لا تستطيع أن تنظر لشىء أخر رغم خوفها من أن يراها فتصبح اللحظة أقسى عليها فى خلوة لن تجد فيها عزاء او ونس يهون عليها قسوة اللحظة।
و توقف الزمن وكأنه زرار التثبيت كما افلام السينما حينما نرغب فى تثبيت مشهد نحتاج لرؤيته بوضوح أكثر فنجمده وظلت واقفة فى مكانها فهى تقوم الأن بأداء دورها و بإتقان داخل شريط ذكرياتها وليس لديها وقت لتنشغل بالواقع المحيط بها ।
و لم يثنيها عن تكملة دورها سوى صبى يناديها بإبتسامته المحفوظة "سمسمية سودانية حلويات من طنطا يا أنسة" لتجد حولها مجموعات من البشر يتزاحمون ما بين راكب و تارك للقطار أفسدوا بضجتهم عليها شريط ذكرياتها فأدركت واقعها وعادت مرة أخرى لتجلس و تستكمل قراءة كتابها غيرعابئة أو مستغربة أين ذهب بطلها الساند على نافذة القطار الأخرأو حتى متى وكيف رحل دون أن تشعر به فهى قد اعتادت على أن يزورها بالصدفة من وقت لأخر فتكتفى بالإستمتاع بضع لحظات خاطفة معه قبل أن يرحل من جديد فربما يحرمها القدر من صدفة لقائه ثانية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق